العمل والحد من آثار المُعاناة..

أن أنسى وجبات طعامي واحدةً تلو الأخرى بسبب انشغالي.. هو أمر لا يبعث الحزن…

أقف الآن لإتمام تمريني المسائي.. أتعمد تسلية ذهني عن وجبة الطعام التي أتجاهلها عمداً..

أُنهي تمريني وأتلوى هذه المرة.. لا أستلقي… لفرط ما أشعر به من ألم..

أذكر أنّي لم أتمكن من إتمام وجبة الغداء بعد العمل والتي حلّت محلّ الإفطار، كونها أول وجبة في هذا اليوم..

لا أعرف عدد الأيام الماضية المتتالية التي أكلت فيها باستا حمراء، أشعر بالغثيان من رائحتها لأني أفرطت في أكلها طوال الفترة الماضية..

أبحث عن ساندوتش.. أو فطيرة.. أو أي شيء..

كل الخيارات غارقة في الصلصات والأطعمة التي أتحسس منها، أو بعبارةٍ أكثر دقة التي يُفرِطُ جسدي في التحسس منها..

أتصفح جميع القوائم، وتسترجع لي ذاكرتي جميع المواقف وفق الخط الزمني، مع كل تطبيق توصيل “رائع وعظيم ومشروع جبار!”.. ومع كل الوجبات..

ما هذه الأوقات التعيسة؟ من تركني بلا عمل في الساعة الثامنة مساءً؟ أين أجهزتي وأوراقي؟

مزيد من الانشغال يعني نسيان الأنواع المتعددة من المعاناة، وأولها معاناة حساسية الأطعمة التي لا يسع هذا الوسط استيعابها فضلاً عن الاعتراف بها والتعامل معها..

يغريني العمل حباً وصفاءً لذهني عما سواه من الأشياء، التي تقف على رأس قائمتها هذه المعاناة تحديداً..

أستنجد بأختي الصغيرة لربما كان لديها حلّ، مطعم سحري يعرفه مواليد القرن الجديد، يتبنى القيم العالمية في مراعاة الحالة الصحية لبني البشر، أو أي شيء من هذا القبيل..

تقترح علي أختي بأن أستخدم أحد التطبيقات الناجحة التي حققت أرباحاً مليارية، ويقال بأن دخل الموصّل فيها يُقارب دخلي الشهري بعد خصم حقوق البنوك منه.. يبدو أنها فكرة رائعة فهذا التطبيق الملياري لن يكون فاشلاً مثل منافسيه، فالفشل لدينا درجات، كل مشروع يتميز بفشله عن الآخر، وهذه هي ميزاتهم التنافسية.. ولكن اتباعاً لمبادئ التفاؤل، ربما هذه المرة أجد وسطاً يستوعب فيه البشر خيارات البشر الآخرين..

لقطة شاشة بعنوان “لا حدود للتفاؤل”.

نامت الأخت الصغيرة، ولم يبق سواي أنا ووالدتي، نزلت لاستلام الطلب.. لأجد رائحة الصوص تستقبلني..

لن أشكو لوالدتي مصابي، فهي وإن لم يكن لها علاقة بحساسية الطعام، ولم تمررها لي عبر الجينات، إلا أنها تشتر بالذنب عن كلّ عرض تحسسي أعاني منه..

انهالت دموعي وبدأت والدتي تخفف شعورها بالذنب، بالمواساة وتذكّر الناس المصابين بالسيلياك، وتكرر على مسمعي أنّي بخير وأنّي لا أحتاج إلى طلب الأطعمة أساساً فهي ستُعِدّ لي الطعام الآن.. الأمر الذي سرّب معه الشعور بالذنب من والدتي إليّ فامتلأت به، ادعيت بأنّي لا أحتاج إلى أي وجبة، وبالقوة استطعت إنهاء هذه المفاوضة، لأنّي أحتاج الخلود إلى النوم..

بعد إحدى عشرة ساعة من العمل المتواصل كنتُ أتوقع أن يستقبلني النادي ما إن أُغادر المكتب، ولكن ما حصل كان العكس تماماً، وجدتني أتمرن في غرفتي وأستقبل قدر التعايش مع معاناة تمنحني بعض المعاني بقدر ما تُغضبني..

وعلى أي حال، فقد أعانتني اليوغا على طلب حمص وتبولة، ستصل بعد قليل..

%d مدونون معجبون بهذه: