الخصوصية وكرامتنا الإنسانية

الخصوصية ليست إحدى مُشكِلات الحياة الحديثة، ولم تُخلَق بظهور العالم الرقمي، هي قيمة مُعترف بها منذ زمن ليس قريب باعتبارها حقاً دستورياً، وترتبط ارتباطاً وثيقاً بالقيمة الدستورية الأهم “كرامة الإنسان”.

إن الكرامة الإنسانية هي قيمة إنسانية أصيلة تثبت للإنسان بولادته، وليست مكتسبة أو مرهونة بنظام قانوني، وقد كانت موضوعاً له أهمية في الفلسفة واللاهوت، قبل أن تعترف بها الدساتير الحديثة.[1]

ولأن النظام القانوني هو ترجمة لتطوّر المجتمعات عبر الزمن، وترجمة لإرادة تلك المجتمعات، فإننا اليوم ننظر لكل غاياتنا وقيمنا من خلال إقرار القانون لها من عدمه.

أقدّم سلسلة من المقالات عن الكرامة الإنسانية بِعَدّها حقاً دستورياً وقيمةً إنسانية أصيلة، وأتناول الحقوق المرتبطة بها، والبداية مع هذه المقالة..

يقتصر نطاق التحليل في هذه المقالة على جذور الحق في الخصوصية باعتباره أحد الحقوق الواقعة تحت مظلة الكرامة الإنسانية، ولا يمتد إلى استعراض تطبيقات الحق في الخصوصية أو تجلياته في الحياة اليومية المعاصرة.

جدير بالذكر أن أول نصّ لفت نظري إلى مفهوم الكرامة لم يكن نصاً قانونياً، بل كانَ آيةً كريمة من كتاب الله تعالى في قوله “ولقد كرّمنا بني آدم وحملناهم في البرّ والبحر..”[2]

“الحق في الخصوصية هو حق الفرد في أن يُترَك وشأنه، وهو الحق الأكثر أهميةً في الحضارة البشرية”.

-قاضي المحكمة العليا السابق لويس برانديز.

كان القاضي الأمريكي الراحل، وأستاذ القانون لويس برانديز من أوائل من ساهم في تطوير مفهوم حق الخصوصية، ويعود له الفضل في تطوير كثير من مفاهيم الفقه القانوني الأمريكي في العصر الحديث.[3]

لم يأتِ الدستور الأمريكي بنص صريح يكفل الحق في الخصوصية، ولم تتضمن وثيقة الحقوق الأمريكية ذلك، لكنّ المحكمة العُليا الأمريكية أقرّت هذا الحق في أحكام عدّة،[4] من منطلق وقوع الحق في الخصوصية تحت مظلة الحق في الحرّية، وليس الحق في الكرامة، ولكنّي أجادل في وقوعه تحت مظلة الكرامة، وكذلك الحال بالنسبة للحرّية التي تندرج تحت مظلة الكرامة هي الأخرى.[5]

وعلى النقيض من ذلك فقد جاء أحدث القوانين التي كفلت حق الفرد في الخصوصية في الاتحاد الأوروبي (اللائحة الأوروبية العامة لحماية البيانات) بالنّص صراحةً على وجوب مراعاة الكرامة الإنسانية[6]، وجاء النص بصياغة لها سموّ المبادئ، كالآتي: “يجب أن تتضمن هذه القواعد تدابير مناسبة ومحددة لحماية الكرامة الإنسانية في سياق البيانات الشخصية، والمصالح المشروعة والحقوق الأساسية..”.

في الحالتين أعلاه، يظهر الاختلاف جليّاً بين التأصيل القانوني للحق في الخصوصية ما بين الحريّة المكفولة بموجب الأنظمة الديموقراطية والكرامة الإنسانية، ما بين الفهم الأمريكي لأحد أهم الحقوق الأساسية بأنه أحد مظاهر الحرية السياسية، والفهم الآخر بأن هذا الحق من المفاهيم الواقعة تحت مظلة الكرامة الإنسانية، ويترتب على هذا الاختلاف تنوّع أشكال الحماية المقرّة بموجب القوانين المعنيّة بالخصوصية حول العالم، ذلك أن جذور القانون والركائز التي يُبنى على أساسها النص القانوني تلعب دوراً محورياً في التوجهات والخيارات المختلفة للقانون، فلا يمكن تصوّر أن يكون القانون المبني على اعتبارات الحرّية السياسية وحرية التعبير عن الرأي متفقاً في الأحكام مع القانون المبني على اعتبارات صون الكرامة الإنسانية، وربما تكون هذه إجابة على سؤال تكرر كثيراً “لماذا تختلف القوانين المعنية بخصوصية الأفراد حول العالم؟” وقد تكون الإجابة المثلى هي أن هذا النوع من القوانين شأنه شأن جميع القوانين الأخرى، يُخلق من بيئته وينمو مستنداً على جذوره، فضلاً عن العوامل والمتغيرات الأخرى ذات العلاقة.


نوف العنزي، الرياض، ٢٠٢٢.


[1] كرامة الإنسان كقيمة دستورية في الدساتير الحديثة، القانون الأساسي الألماني لعام 1949 م أنموذجاَ: الدكتور شيراز أحمد أمين النجار، جامعة صلاح الدين، أربيل، 2018 م، ص 2.

[2] سورة الإسراء، الآية (70).

[3] انظر: https://www.brandeis.edu/about/louis-brandeis.html

[4] انظر: https://www.law.cornell.edu/wex/privacy

[5] مفهوم وقوع الحرية تحت مظلة الكرامة مقتبس من البروفيسور نايف الروضان: حوار منشور على موقع مجلة الفيصل، انظر: https://www.alfaisalmag.com/?p=13928  

[6] Article (88/2) of EU General Data Protection Regulation.

%d مدونون معجبون بهذه: