القيمة القانونية لديباجة الدستور

لوحة دستور ٣ مايو ١٧٩١، للفنان البولندي يان ماتيكو، رسمها تخليداً واحتفاءً بذكرى الدستور البولندي المائة في عام ١٨٩١.

ديباجة الدستور هي نصوص تبيّن المبادئ التي يسعى الدستور إلى تكريسها وصَونها، ومثلما تمثل الدساتير المبادئ التي تقوم عليها الدولة، تمثل الديباجة المبادئ التي يقوم عليها الدستور.

تحدد الديباجة فلسفة النظام السياسي في الدولة وأهدافه المستقبلية، والمبادئ الأساسية للمجتمع وحقوق الإنسان وحرياته، وتعبّر عن الالتزام بالمبادئ الأساسية للقانون الدولي العام.

وقد سعت السلطات التأسيسية حول العالم إلى تضمين المبادئ التي يسعى الدستور إلى ترسيخها وحمايتها في ديباجة الدستور، ولم يغفل عن المؤسسين إلا في حالات نادرة جداً عدم إضافة الديباجة إلى الدستور[1]، فعلى سبيل المثال عند تحليل ديباجة الدستور الفرنسي (دستور الجمهورية الفرنسية الخامسة) فإننا نرى نصوصها تكريساً واضحاً لمبادئ إعلان حقوق الإنسان والمواطن الصادر عام ١٧٨٩، وذلك مع تتابع الجمهوريات وتغيّر الدساتير، فقد بقيت الديباجة محتفظةً بمبادئها ولم يتم حذف أي مبدأ منها[2]، بل تمت إضافة عدة مبادئ استجابةً للتغيرات والظروف التاريخية التي مرّت بها كل من الجمهوريات، واستجابةً لتغير إيمان الشعب كما حدث في المرة الأخيرة عندما أُدخِلَت مبادئ حماية البيئة إلى ديباجة الدستور عام ٢٠٠٤م.

وأي كانت اختلافات الدساتير في مبادئها وفي طرق عرض هذه المبادئ من خلال الديباجة، فإن المبادئ المشتركة التي سعت معظم دساتير العالم إلى إرسائها هي العدل، والعدالة الاجتماعية، والحرية، والكرامة الإنسانية، وسيادة القانون، وتلك مبادئ يدعي الجميع بلا استثناء الإيمان بها، ولكن كيف تحقق نصوص الدستور تلك المبادئ؟ هل يصبح القانون معيباً بعدم دستوريته إذا خالف أي من القيم المنصوص عليها في ديباجة الدستور؟ هل تحكم المحاكم الدستورية العُليا بعدم دستورية نص قانوني لمخالفاته قيمة وردت في ديباجة الدستور، أم يشترط أن يكون لتلك القيمة انعكاس على نصوص مواد الدستور؟ كيف يُترجِم نص مادة الدستور ما جاء في الديباجة من مبادئ؟

هل تحكم محكمة دستورية ما، بعدم دستورية قانون أهان كرامة الإنسان؟

وأي كان معنى الكرامة وأي كان تصورنا لمعنى الإهانة، هل يمكن أن يحدث ذلك؟

هل تشمل الرقابة على دستورية القوانين المبادئ الواردة في الديباجة؟

تحاول هذه المقالة الإجابة عن الأسئلة المطروحة أعلاه، من خلال توضيح القيمة القانونية لديباجة الدستور.

إن القيمة القانونية لديباجة الدستور موضع خلاف بين مختلف فقهاء القانون بصرف النظر عن خلفياتهم ومدارسهم الفقهية، وقد ظهرت أربعة اتجاهات في هذا الشأن، على النحو الآتي:

الاتجاه الأول: منح الديباجة قيمة قانونية أعلى من قيمة مواد الدستور:

يقوم اعتناق هذا التوجه على الإيمان بأن المبادئ الواردة في الديباجة هي المبادئ الكامنة في ضمير الشعوب وبذلك فإن احترامها واجباً وإن لم يرد نص صريح يُقرّها في مواد الدستور.

يقيّد هذا الاتجاه المشرّع في إصدار القوانين التي قد تمس مفاهيم تلك المبادئ -الواسعة والتي يمكن تفسيرها بصورٍ شتى بحسب الظروف والأحوال- ولا يبرر علوّ الديباجة على مواد الدستور مع أن السلطة واضعة الديباجة هي نفسها واضعة مواد الدستور.

الاتجاه الثاني: تجريد الديباجة من أي قيمة قانونية:

يعتبر هذا الاتجاه الديباجة مجرد مبادئ فلسفية ذات قيمة معنوية وأدبية بحتة، ومفاهيمها واسعة وفضفاضة وليس لها أي قيمة إلزامية.

ينكر هذا الرأي إمكانية ترجمة المُثُل العُليا إلى أهداف سياسية وتنفيذها من خلال القوانين، وهذا ما لا يتفق مع الواقع العملي في كثير من الأحيان.

الاتجاه الثالث: يمنح الديباجة قيمة تعادل قيمة مواد الدستور:

يرى هذا الاتجاه بأن قيمة الديباجة من قيمة مواد الدستور باعتبارها جزء لا يتجزأ من الدستور، ويرى أن الديباجة ما هي إلا تمهيداً لنصوص مواد الدستور وأساساً لها، وبذلك تطبق الرقابة على دستورية القوانين بالنسبة لكل من مواد الدستور والديباجة، وإن أي تعديل يُجرى على الدستور يجب أن يُجرى على ديباجته أيضاً، وهذا الرأي مدعوم بقرارين لمجلسين دستوريين:

١- قرار المجلس الدستوري الفرنسي لعام ١٩٧١ بعدّ ديباجة الدستور جزء لا يتجزأ منه.

٢- قرار المجلس الدستوري اللبناني لعام ١٩٩٨ الذي اعتبر في مضمونه أن المبادئ الواردة في ديباجة الدستور لها قيمة دستورية تعادل قيمة مواد الدستور[3].

الاتجاه الرابع: يمنح القيمة القانونية للديباجة بحسب صياغة النص الوارد فيها:

يرى هذا الاتجاه بأن النصوص التي تصاغ بصيغة إقرار حق ما، وتكون أشبه بصياغة القواعد القانونية يكون لها الإلزامية، مثل: “تحترم الدولة حرية المعتقد” أو “تكفل الدولة الرعاية الصحية”، لهذا النص محددات تجعل من غاياته قابلةً للتطبيق، ولذا تثبت له القيمة القانونية وتشمله الرقابة على دستورية القوانين.

أما النصوص التي ليس لها صيغة تقرير الحق فتُعدّ نصوص توجيهية، مثل: “العمل حق لكل مواطن” فهذه نصوص تشير إلى مبادئ فلسفية ولا تقر حقاً قانونياً بذاته، لكنها توجّه المشرع إلى إصدار التشريعات التي تتفق مع هذا التوجه الدستوري.

لا تتضح جدوى هذه التفرقة بين صياغة النصوص، لأن المشرّع عندما يكون ملزماً بعدم مخالفة هذه النصوص فهذا يعني أن لها قيمة تعادل قيمة مواد الدستور.

وبالنظر إلى الاختلافات في قيمة الديباجة وتنوّع الآراء حولها، يُثار التساؤل عن مقدرة القوانين على ترجمة المبادئ والقيم الفلسفية إلى قواعد تلتزم السلطات بتطبيقها والرقابة عليها ويلتزم الأفراد باتباعها واحترامها، هل تحقق القوانين بصورتها الحالية جميع المبادئ التي تقوم عليها وتحولها إلى ممارسات واقعية ملموسة في حياة الأفراد الذين قامت الدساتير -بحسب الأصل- لتحقيق حياة أفضل لهم؟ أم أن القوانين تحتاج إلى ما هو أكثر من ذلك لتحقيق تلك الغايات؟


[1] د. إبراهيم عبد العزيز شيحا، القانون الدستوري، الدار الجامعية للطباعة والنشر، بيروت ١٩٨٣، ص١٩٧.

[2] دستور الجمهورية الفرنسية الخامسة، ١٩٥٨، انظر: https://www.conseil-constitutionnel.fr/sites/default/files/as/root/bank_mm/arabe/constitution_arabe.pdf

[3] انظر: http://www.cc.gov.lb/ar/node/2575  

نوف العنزي، الرياض، ٢٠٢٢

%d مدونون معجبون بهذه: