سِر.. فقد طال وقوفك في ظلال الحيرة

“صَعدتْ إلى شفتِي بلابلُ مُهجتـي.. ليَبين عنها منطقي ولسانـي”. -محمد إقبال.

شمس الظهيرة تختفي وراء الغيوم الرمادية، فيلرون، ٢٠٢١

على امتداد رحلتي في ريف الجنوب الفرنسي، وتنقلي في منطقة Provence-Alpes-Côte d’azur لم أركب السيارة إلا مرةً واحدة كانت عند قدومي من المطار.
تنقلت بين القُرى الواقعة على الجبال ونزلت إلى ضفاف النهر، على قدمَيْ.
لم يكن غريبًا علي هذا، فقد اختبرت تجربة إطالة المشي، واستخدام الأقدام بعدّها وسيلة نقل فعّالة..
وقطعت اليوم سلسلةً من الغابات على ظهر الخيل
وعُدت بالخيل إلى مزرعته وسط مواجهة مع كلاب حراسة المزرعة الذين يعاملوني كشيءٍ غريب في كل مرةٍ أدخل المزرعة..
اليوم كانت مواجهتي مع الكلاب قوية،
ربما لم تشم رائحة الخوف مني -كما في المرات السابقة- وتوقفت في مكانها لم تستطع التقدم نحوي، جاء دوري في الانتقام ولم أكتف بكسر خوفي من كلاب الحراسة فقد تقدمت في وجه اثنين منها ورجعا إلى الخلف صامتين.
غادرت المزرعة وعُدت بعد ساعة لاختبار حقيقة تحرري من الخوف من كلاب الحِراسة
ارتفع نباحها حال وصولي إلى البوابة، قفزت من الباب الحديدي ونزلت بين الكلبين، بقيت صامتة حتى توقف نباحهما
جلست، وجلسا عن يميني ويساري.
وأنا ابتسم وأنادي “سيريل أين أنت؟ أحد منكم يلتقط لي صورة في هذه اللحظة التاريخية بالنسبة إلي؟”
المدرّب سيريل الذي ظنّ أنّي أمزح عندما قُلت له في لقائي الأول معه “أخافُ كلاب الحراسة” لأنه يرى أن الفرسان لا يخافون وأنّي ما دمت قادرة على القفز مع الحصان فهذا كرت عبور لعالم الشجعان والأبطال الذين لا يخافون شيئًا.
صدقني فقط عندما لصقت بالجدار في أول نباح جماعي متواصل لكلاب الحراسة في وجهي
وحالما اقترب مني قفزت خلفه
كانَ الأمر عندي كأنما أخوض معركة حقيقية، أستخدم جميع طرق الدفاع، لا أرى شيئًا أمامي يتحول المكان كلّه إلى ساحة معركة.
وعندما انتصرت الآن غابَ سيريل، لم أستطع مجاملة الكلبين بالمسح على رأسيهما -كما يفعل سيريل وجميع أصحاب الكلاب- لكني ابتسمت ونظرت في عينيهما وتنفست بعمق، لا خوف ولا معدل ضربات قلب مرتفع!

منظر خريفي من طريق زراعي، فيلرون، ٢٠٢١

في الأيام الماضية كانَ التحدي، أن أسير على امتداد الطُرُق الزراعية على غير هُدى، حتى تظهر إلي قرية أو مزرعة خيول
أو أي مجرى لنهر الرون لم أره بعد..
وكانت كلاب الحراسة تُطلق النباح ما إن أمرّ بها، كُنتُ أعود أدراجي في بادئ الأمر، ثم قُلت لنفسي -بعيدًا عن كل منظري كسر الخوف وأصحاب مقولة “أنت تستطيع”- إن كنت لا أخاف جميع أنواع البشر وهم أسوأ مخلوقات الله وأكثرها شرًا، فكيف أخاف كلاب الحراسة؟
كانَ دماغي في كل مرة يجد تبريرًا، فمرةً كان تفسيره أن هذا النوع من الكلاب لو لم يكن مخيفًا لما وضعه البشر للحراسة، ولما وُضِع برفقة رجال الضبط الجنائي في بعض الحالات.
في نفس اليوم كُنتُ أغيّر رأيي وأعود لإكمال طريقي، وأحيانًا لتغيير الطريق، إلى أن حدث ما حدث في مزرعة الخيول اليوم.


المهارة الثانية التي اكتسبتها من هذه الرحلة هي مهارة الصبر على رؤية الحشرات في الغابات والحقول والمزارع ومحاولة تجاهلها إن لزم الأمر، مع أنها ليست المرة الأولى التي أقضي فيها وقتي في مكانٍ ريفي، أو حتى أواجه الحشرات أو الكلاب، لكنّي توقفت في اليوم الأول عند ما تبقى لي من خوف في دماغي وقررت تصفيته لأعود كما كنت طفلة لا تخاف شيئًا.
ومن النزاهة القول أنّي قتلت أي حشرة تقترب من طعامي أو منّي، في دفاع شرعي عن الذات.

فيلرون، ٢٠٢١

عندما استيقظت اليوم كنتُ أنُظر إلى الضباب الذي حجب عنّي الأفق وأخفى صورة رأس الجبل المقابل، وكم أحب هذا الضباب، في تلك الأثناء كنت أستمع إلى بعض من رسائل جبران إلى مي زيادة
وأقاوم الرغبة في العودة إلى النوم وما نبهني وجعلني أستيقظ هو قول جبران كما أذكره
“ولكن علي أن أبقى صامتًا
حتى يضمحل الضباب
وتُفتح الأبواب الدهرية
ويقول لي ملاكَ الرب “تكلّم فقد ذهب زمن الصمت، وسر فقد طال وقوفك في ظلال الحيرة””.

%d مدونون معجبون بهذه: