عن حقّي.. اللصيق بالشخصية..

أكتب هذه التدوينة بهدف توضيح مختصر للحقوق اللصيقة بالشخصية وفلسفتها والأفكار التي بُنيت عليها والمُتعلقة بها، الحقوق التي لطالما فُتِنت بفلسفتها.. واحتفظت بفكرتها على مدى السنوات اللاحقة لمعرفتي بها.. وكلما اعتراني خوف من ضياع حقوقي من هذا النوع.. أو كلّما حاول أحد الجهلة استعراض همجيته في محاولات الاعتداء.. أجِدني تشبثت بفكرة “هذا حقي الذي ثبت لي بمجرد ولادتي.. من أنتَ حتى تَظُنّكَ قادرًا على نزعه؟”

ولولا أنّ تفصيلًا بسيطًا التبس عليّ بشأنها قبل شهر عندما كُنت في نقاشٍ قانوني ممتع، لما عُدت لأفتح كُل المصادر التي علِمت.. والتي لم أعلم عنها..

كما جرت العادة.. تصلني رسائل لا أُعيرها انتباهًا على بريدي الإلكتروني، أنقُلها إلى سلّة القُمامة البريدية.. أضعُها حيثُ يليق بها ذلك المكان مستقرًا ومقامًا..

وأنا أُصغي إلى نسيمِ جنيف البارِد.. تعِبَ النسيمُ مِنْ إصغائي.. وقلتُ لأُصغي قليلًا لما قاله البشر هذا اليوم.. نظرت إلى البريد الإلكتروني.. وجدت رسالة من شخص مثير للشفقة، أرفقَ صورة لمحادثة يسألُ فيها عنّي شخصًا آخر.. باسمي الذي لم يعرفه إلا من خلال الدخول غير المشروع على بياناتي لدى إحدى جهات التوظيف قبل عامين من الآن.. في ذلك الحين، لم أكن قد كتبت أي مقالة أو نشرت أي مدونةً باسمي..

ذلك النوع من الناس، هو ومن يتعامل معه لا يؤتمن على أي شيء بينَ يديه، إن كان التلصص على بيانات الناس وإيجاد أسمائهم وأرقام هواتفهم وسجلاتهم الوطنية هو ممارسة روتينية يتبعها هو ومن مثله.. فهذا يعني أنهم ليسو أهلًا للتعامل مع أي شيء يخص الأفراد..أو ربما أي شيء مطلقًا..

لستُ غاضبة، لكنّي أشفُق على من يجهل ما قد أفعله به، دفاعًا عن نفسي -شرعيًا على أيةِ حال-.. أفكر كثيرًا في النساء اللاتي يتعرضن لهذا النوع من المُلاحقة.. كون النساء أكثر ضحايا انتهاكات الخصوصية وحرمة الحياة الخاصة.. وأعرف أن هذا الشخص بذاته يُرسِل لعشرات أو ربما مئات النساء ذات الرسائل، لأن مَنْ مِثله لا يعرف قيمة الإنسان، هو محض لِص يسرِقُ الأنباء عنهم حتى يشعر بأهمّيته ووجوده..

لست بصدد الحديث المطول عن هذه المواقف التي تحدث مع جميع النساء في مختلف الأماكن والأزمان، ولست أقلل من شأنها أبدًا.. لكنّي سأتناول الحق المُنتهك في مثل هذه السياقات.. بعيدًا عن التشريعات القائمة اليوم لحمايته.. أوضّح فلسفته، أصله، وسبب نشوئه.. لإيماني بأن هذا الحق لا ينشأ مع نفاذ قانون ينص عليه صراحةً وإنما ينشأ من ولادة الشخص الطبيعي، تحت أحكام أي نظام قانوني..

بولادة الإنسان تثبت له عدة حقوق لكونه إنسانًا.. منها ما يهدف لحماية كيانه المادي ضد الاعتداء وضمان سلامته، ومثالها “الحق في سلامة الجسد من الاعتداء”.. ومنها ما يهدف لصون كيانه المعنوي وأمثلتها “الخصوصية.. الكرامة.. السمعة.. الاسم.. الصور الشخصية..”.. وقد سُمّيت لصيقةً بالشخصية لملازمتها للانسان منذ ولادته.. وعدم انفكاكها عنه حتى بعد وفاته.. فلا أحد يمكنه أن يتنازل عن اسمه.. أو عن كرامته -وإن كان هناك بشر يعيشون بلا كرامة طواعيةً لا يسعني الحديث هنا لوصفهم فأنا أتحدث هنا عن الحالة الطبيعية للإنسان دونما المسوخ-..

ومن الجيد التذكير بأن لا أحد سليم الذهن مُعافى يمكن أن يتنازل عن حقه في سلامة جسده من الاعتداء..

ويضيف الفقه القانوني الفرنسي على الحقوق التي تهدف إلى حماية الجانب المعنوي للإنسان “الحق في الحريات الشخصية” ويُفرد تعداد لتلك الحريات “حرية التنقل، حرية العمل، حرية التعاقد، وحرية الزواج”.

وما يميز هذه الحقوق -بالإضافة إلى كونها أحد أقسام الحقوق غير المالية- هو عدم قابليتها أن تكون محلًا للتصرفات القانونية، إذ لا يمكن التنازل عنها أو بيعها أو تضمينها الوصية أو الهبة، ولا يرد عليها التقادم المُسقِط أو المُكسِب للحق..لا تسقط هذه الحقوق بعدم الاستعمال.. ولا تُكتسب لشخص آخر بعدم استعمال صاحبها لها، وينبغي التنبيه أن الاعتداء على الحقوق اللصيقة بالشخصية يُنشئ حقًا ماليًا في التعويض عن الضرر المادي أو المعنوي الناتج عن الاعتداء، وأخيرًا عدم قابلية هذه الحقوق للانتقال إلى الورثة.

وأذكرُ في حق الخصوصية، قضية المصوّر الذي تسلق شجرة بالقرب من منزل الفنانة الفرنسية بريجيت باردو والتقط لها صورًا في منزلها.. متذرعًا بأنه لم يقتحم منزلها بالتالي لم يخترق خصوصيتها، كانَ حكم المحكمة أن الحق في الخصوصية يشمل جميع جوانب حياة الفرد الخاصة به، والتي لم يُوافق على نشرها أو الإفصاح عنها.

ولعلي لا أًغفِل في سردي هذا الحقوق المختلطة والتي وُلِدت من رحم فعل تقييم الحقوق الذهنية بالمال، فأول مَن قال للناس “سأبيعكم فِكرتي.. سأبيعكم اختراعي.. سأبيعكم نتاجي الذهني والفكري.. مؤلفاتي..قصائدي وأُغنياتي” كانَ هو عرّاب هذه الحقوق، أو ربّما خالِقَها.. لتلك الحقوق جانبين جانب معنوي لا يسقط بالتقادم ولا ينتقل إلى الورثة وهو الحق في نسبة المُصنّف إلى صاحبه، وجانب مادي تحدد القوانين له مدة معينة وينتقل إلى الورثة وهو حق المالك في استغلال مصنفه ماديًا..

لكن القانون لا يحمي حقك في صورتك الشخصية إن تم استخدامها من قبل شخص طبيعي أو معنوي دون موافقتك بموجب أحكام الحقوق المختلطة (حق الملكية الفكرية وبراءة الاختراع والملكية الصناعية وحق المؤلف والعلامات التجارية)، لأن الحق في حماية صورتك الشخصية وأيّ من بياناتك الشخصية محمي بموجب قوانين حماية البيانات الشخصية، أو بموجب الدستور الذي يكفل الحق في الخصوصية وصيانة حياة الفرد.

إلا إن كُنت قد قررت تقييم صورتك الشخصية بالمال باعتبارها عملًا فنيًا، عندها يمكن تقييمها بالمال، ويجب حينها توفّر سمات خاصة في ذلك العمل حتى تثبت عليه ملكيتك الفكرية، منها: أصالة فكرة العمل، ويمكنك حينها المطالبة بحقك في الملكية الفكرية عن العمل الفني المتضمن صورتك الشخصية البديعة والتي تمثل إنتاجًا ذهنيًا وفكريًا..

وختامًا، وُلِدتُ بهذه الحقوق، لم أنتِظر يومًا أن تُقَرّ لي لأنها ثبتت بولادتي، وبكوني إنسانًا له قيمة أصيلة تُسمّى الكرامة، ليس لأحد الحق في نزع أي من هذه الحقوق أو الاعتداء عليها..

وُجِدتُ بشعورٍ يملأ وجداني إيمانًا بهذه الحقوق، وعِشتُ سلسلةً من النضالات لأجلها..وشرحت معنى حقي في حرمة حياتي الخاصة حتى آلمني حلقي، لأجد بعدها أن بعض البشر قد خيّب أمَل فقهاء القانون الفرنسي، حيث سلّموا بأن لا أحد يمكنه التنازل عنها!

– د. خالد الرويس ود. رزق الريس: المدخل لدراسة العلوم القانونية، الجزء الثاني، نظرية الحق، ١٩٩٧.

%d مدونون معجبون بهذه: