رسالة من مجهول.. أرفُضُ تسلُّمَها

Painting by Ben Mclaughlin

اكشف عن نفسك حتى أسمعك. أظهر هويّتك حتى تتحمل مسؤولية ما تقوله.

Phone booth

ترتبط في ذهني الرسائل مجهولة المصدر برسائل التهديد التي يتلقاها الأفراد والتي قد تصل إلى تهديد أمنهم أو سلامتهم أو ربما حياتهم.. ودائمًا ما أتذكّر مشاهد الخاطفين في الأفلام، غالبًا ما كانوا يستخدمون كبائن الهاتف العمومي أو الـPhone Booth أثناء اتصالهم بأسرة الضحية، كما عُرِفَت الرسائل مجهولة المصدر بكونها أشهر وسائل التهديد والابتزاز ..

لقطة الشاشة من أحد مواقع “المُصارحة”.

إذا كانوا أصدقاء، فلماذا أكتُب لهم بهوية مجهولة؟

منذ بداية انتشار مواقع التواصل التي تتيح للأشخاص استقبال وإرسال الرسائل مجهولة المصدر وأنا لم أقتنع بالفكرة، ولم أتقبلها إطلاقًا، للحد الذي جعلها غير واضحة أو غير مفهومة لي للوهلة الأولى، فطلبت من أخواتي وصديقاتي في المدرسة شرحها لي، أتذكر تعليقي “طيب ليش أخليهم يكتبون لي بدون ما أعرف مين هم؟ أنا أصلًا أبغى أعرف مين اللي دخل بروفايلي!!!!”

أفكّر في الأبعاد النفسية للموضوع، هل أمنح الأشخاص الحق في قول ما يشاؤون لي؟ هل أمنحهم ميزة التحرر من الضوابط والقيود اللازم اتباعها في التواصل مع الآخرين؟ وماذا سأتلقى حينها؟ “غلّ العالمين كلّه”؟ من وجهة نظري الخاصة جدًا والبعيدة عن البحث في سيكولوجية الموضوع لا يهمني إطلاقًا أي حديث يُجهَل صاحبه، وما يحيّرني هو أن المرء حينما يستقبل رسائل من هذا النوع، يعلم بمعرفة من كتب الرسالة له، وأحيانًا يعلم أن كل منهما على معرفة بالآخر، ولكن المُرسل لم يشأ أن يكشف عن نفسه في هذه الرسالة، بسبب طبيعة محتوى الرسالة! مما يعني أن أحدًا من محيطك لا يروقه التواصل بطريقة صحية، ويختار إيصال الرسائل لك خلف الستار، لغاية في نفسه -أفترض أنها غير سويّة-

لست ممن يقول “لا يهمّني رأي الناس فيني” فلطالما احترمت محيطي كثيرًا طمعًا في نيل المكانة التي أستحق فيه، يهمني الرأي الذي يتحمل صاحبه مسؤولية طرحه عنّي، يهمني جدًا تعامل الناس معي في وجهي، في حضوري ووجودي الفيزيائي أو الافتراضي. وأرى أن هذا انعكاس ما صنعته لنفسي من مكانة واحترام، من هيبة أو ربما رهبة في صدور البعض، لست محللًا نفسيًا حتى أتوق لرؤية ما يضمره الناس في دواخلهم، ولست مضطرة أبدًا لتحمّل ذلك القُبح.

وأنا أفكر في موضوع هذه التدوينة، تأخرت كثيرًا في الكتابة بسبب محاولاتي تذكّر النظريات التي قرأت في علم الاجتماع أو ربما علم النفس الاجتماعي، التجارب والدراسات النفسية التي أجريت بغرض قياس سلوكيات البشر في حال انعدام وسائل الضبط الاجتماعي، أحاول إنعاش ذاكرتي وأنتبه بعدها أن تلك الدراسات ربما وقعت عيني عليها يومًا وأنا أتصفح الإنترنت، لم تكن نص قانون أتذكر مادّته وتاريخ إصداره، أو قرار أحفظ رقمه وتاريخه، ولا هي ملحمة شعرية أتلوها عن ظهر قلبي، فلم يكن لها نصيبًا يبقيها في ذاكرتي…

أرى الرسالة من مجهول دعوة لأمرين لا ثالث لهما، إما دعوة لتلقي المديح والثناء والإطراء والمشاعر -التي لا قيمة لها- من شخص يعجز عن التصريح باسمه والظهور بهويته، أو هي دعوة لمن لا يطيقك لتفريغ ما بداخله من غلّ تجاهك، دعوة لمن لم يستطع مواجهتك، بالانقضاض عليك وبث سمومه في ذهنك..

مُرعبة فكرة أن يمنح الإنسان للآخرين فرصة إرسال ما يشاؤون من كلمات له، وكأنه يكشف جلده لهم ليسلخوه، كأنه يواجههم أعزل مكتوف اليدين وهم محملين بأسلحة معرفتهم له ومحصنين بعدم معرفته لهويتهم، ليلقوا به أرضًا بشتائمهم الجبانة، أو أن ينفخوا رأسه ببالون شفاف من فرط المديح الجبان أيضًا لأنه لم يقال في حالة التعريف عن الذات.

لا أهتم لمعرفة ما لديك، لا تهمّني أفكارك عنّي إن لم تستطع قولها علنًا باسمك أمام الملأ، أو على الأقل بيني وبينك في وجهي، ولا أنا مهتمة كثيرًا بالأمراض التي تجعلك تسيء لي بعد التحصّن بخاصية “المجهول”.

%d مدونون معجبون بهذه: